الخميس، مارس 01، 2012

(آماليات ) الشاعرة أمل حمدي ، عصفور ينطق بالحكمة







(آماليات ) الشاعرة أمل حمدي ، عصفور ينطق بالحكمة
بقلم الأديب والناقد الأدبي *محمود رمضان الطهطاوي*


البلاستيكي عنوان مقالة نشرتها جريدة " الأهرام المصرية " في 25/12/1999م للروائي والكاتب المصري ( فؤاد قنديل ) ، وأعتقد إن هذا المصطلح الذي مر كغيره من المصطلحات مرور الكرام ، وكأننا لم نقرأ ، وهذا المصطلح يعتبر إضافة جديدة للحركة الأدبية ، وسيسجل التاريخ لهذا الروائي هذا السبق ، الذي نام في حضن الأوراق ولم نعره إهتماماً ، وفي ظني أن هذا المصطلح لو ظهر في دولة من تلك الدول التي صدرت لنا مصطلحات العولمة والمعجنة والبعججة الخ تلك المصطلحات التي غزت حياتنا حتى أصبحنا نطالع ما يكتب عن الحب في عصر العولمة !! .
نعود إلى مصطلح الأستاذ فؤاد قنديل الذي يفرق فيه بين النص الأدبي الحي والنص الأدبي الجامد ويقول في مقالته : " إن الفرق بين نص أدبي حي ونابض وملهم ، وبين نص بارد ، جامد ، إذا عصرته واستقطرته لا تتفتق خلاياه عن نقطة دم أو إحساس كمثل قطع من اللحم ،وقطعة من البلاستيك "
المهم إن الكاتب يطالبنا- وهو محق – بعدم محاصرة النص الأدبي وتضييق الخناق عليه باللغة حتى أصبح النص مجرد بناء لغوي خاوي من الفن .
هذا الكلام ينطبق على كل ألوان الفنون ،وعلى رأسهم النقد الذي تحول إلى مدارس لا يفهمها النقاد أنفسهم ، فقط نقرأ ثلاثية الراحل الدكتور عبد العزير حمودة ( المرايا المرايا المحدبة – المرايا المقعرة – الخروج من التيه ) لنعرف ما وصل إليه حال النقد .
يذكر الناقد والشاعر الأسباني " داماسو ألونسو " :" إن الشعر عصفور وديعا ، إن شددت عليه قبضتك الدراسية ، أزهقت روحه ،وحوَّلتهُ إلى جثة لا يغينك تشريحها في معرفة سر رشاقتها وهي ترف من حولك "
علينا إذن أن نمسك هذا العصفور بحنو شديد ،وأن نسمح له بالتلفت من أصابعنا ، وإن كان لنا أن نحبسه في منهج فليكن قفصاً واسعا يتركه يتنفس ويتحرك ، حتى لا نزهق روحه ، أو نحوله إلى دُمية ، قطعة من البلاستيك !!.
هذه المقدمة لابد منها قبل الولوج في نصوص الشاعرة أمل حمدي المعنونة ( آماليات ) فهذه النصوص بماتحمله من صورة بسيطة / عميقة ، وتعد تجربة لصيقة بالشاعرة بعنوانها الذي اسمها ، إذن نحن أما تجربة ذاتية للشاعرة ، تحاول فيها أن تسنطق الحرف ،وتعبر عن طريق الصورة الشعرية/ المشهد ، بحكمة ، مغزى ، مرمى تنشد له وإليه ، فجاءت تلك الومضات ملبئة بالمشاعر الإنسانية العميقة .. بكل زخمها ومافيهامن سعادة وحزن ، لقاء وفراق ، عذب وعذابات .. تصوره الشاعرة في ومضات شعرية خاطفة ، وصور جزلة ..
وقد يعتري القارئ من أول وهلة لتلك الومضات ، موقف من من هذه البساطة في الطرح ، ولكن ما إن بتعمق في الصورة البسيطة حتى يغير مفهومه لهذه البساطة ، فليس كل بسيط سهل ، فالعمق نجده في مجمل الصورة وارف وطارح ثماره بنكهة خاصة تحمل كما ذكرنا الحكمة ، كما تحقق المتعة المنشودة من الومضة الشعرية الخاطفة .
تقول في المقطع الأول :
عندما تفقدُ المعنى
لا تتكبد
مشقة الحرفِ
فالحياة
تبدأ بفرحة
وتنتهي
دومـًا بحتف
وما بـَدا منك
من قسوةٍ
كان بالأمس ِ
كل اللـّطفِ
يداعب حرف الفاء الصورة الشعرية بجزالة .. لستنطق الصورة ويعطيها عمقا أحسنت الشاعرة في صنعه .
وترسم في المقطع الثاني صورة رائعة للحزن ، الممتزج فيها وهي تقول :
يقولون لي
لاتـُمْطِري حـُزْنا
ولا يدركون
أن الحزنَ يـُمْطِرُني
يـَحْمِلـُني في سمائِه
ومِن آنٍ لآخر
يـُرْعـِدُنِي
في هذاالمقطع تتجلى البساطة العميقة ، طارحة صورة جميلة متقنة ، فيتحول الحزن لكوني يرعد بسمائه .
وفي المقطع الثالث نجد صورة تتقطرحكمة ، وتثير الدهشة بغرابتها وحبكتها وغزلها وهي تصرخ :
تـَشـَبـَّثَ
بذيلِ قلبي
بأظافرِهِ فأدْمـَاهُ
وأنا فقيرةٌ
ليس لي قلبٌ
سواهُ
فـَرَفـَيـْتـُهُ
وتفاديـْتُ بروحي
خـُطاهُ
صورة غنية بتصوريها المغاير .. رغم بساطة مفرداتها إلا أن الشاعرة بخيالها الخصب تنسج لنا بالكلمات صورة تستدعي التأمل والتوقف أمامها طويلا لما تحويه من خصوبة .
وفي المقطع الثامن  والتاسع تبرز قدرة الشاعر على استنطاق الحرف ورسم الصورة المنحوته من نهر الحكمةوهي تقول في المقطع الثامن  :
لم يكتفِ بالحلم
وبأني سيدته
أراد أن ينتزعني منه
أن يجعلني أسيرة
ولا يدري
أني انتزعته
من الحلم قبلا
ولم يعد سيده
بل أسيره

وترسم لنا صورة تعبر عن اعتزاز بالنفس وقدرة على مواجهة الحياة بكل ما فيها وهي تقول بثقة :
لا تعيرني اهتماما
فإني صدقا لا أراك
وامرح كما شئت
فلن أعبأ أبدا بخطاك
ولاتحسب أن العمر
هو لحظات هواك
فأنا حياة
لاتنتهي على أعتاب جفاك 
هذه مجرد طلات ووقفات على تلك " الأماليات " بما فيها من ثراء ، وما تسنطقه من حكمة في صورة خاطفة ، ترسمها الشاعرة ببساطة تحمل عمقا جميلا ، لتخرج لنا صورة مغايرة للمألوف ، مدهشة بجمالياتها .
إنها شاعرة تجسد تلك العلاقة الملتسبة بين الذات وخارجها ، تدلف بعمق في النفس البشرية ،تواجه بفنية عذبة معترك الحياة بهذه "الأماليات " الطارحة قطرات الندى بعذوبة وقوة شامخة ، من خلال لغة جزلة ، و بساطة محببة ، وصورة مدهشة . 




هناك 8 تعليقات:

Tarkieb يقول...

ده والله رأي في كلماتك من زمان ...ومش محتاجين حد يقولنا ...

ماما أمولة يقول...

شكرا ياتركيب ربنا يخليك
عارفة رأيك من زمان من متابعتك وتواصلك الجميل
دمت بكل الخير يارب

فشكووول يقول...

وما دامت تستنطق الحرف فانها ايضا تستنطق الاحساس ليرسم صورا واقعيه لوجدان الحلم المستحيل

ماما أمولة يقول...

فشكووول
نعم يا فشكول الحلم المستحيل :)
تسلم يارب ويدوم تواصلك الغالي

أبـجـديات بندر الاسمري يقول...

مثل ما يقولون أهل الشام..

أنت مبدعة من يوم يومك..

لك تحياتي..

ماما أمولة يقول...

أبـجـديات بندر الاسمري

كل التقدير لك ولحضورك ولكلماتك التي أسعدتني بندر

مودتي وتقديري

momken يقول...

تستحقين ما قاله واكثر
كل سنه وانت طيبه

تحياتى

....

Aml Hamdy يقول...

و أنت طيب و بخير يا رب يا momken
تسلم و يدوم حضورك الراقي